عن عبقرية مشهد النكبة في مسلسل التغريبة الفلسطينية

لا يمكن رؤية هذا المشهد من الحلقة 17 في “التغريبة الفلسطينية” بنفس العين التي ترى فيه غيره. هنا، وهنا تحديدًا، كان الاحتكاك البصري “الحقيقي” الأول لما تعنيه كلمة نكبة. هنا كان جماعة طارئة على البلاد تمحو حكاياتنا، الفردية والجماعية، التي كان من الممكن لها أن تنشأ وأن تتطور في سياقها الطبيعي آنذاك، وبدلا عنها يكتبون بالرصاص حكاية جديدة لكل واحد فينا كفلسطينيين و عرب.

المشهد

يرفض #وليد_سيف استقبال النكبة بمشاهد رومانسية لرجل يودع أرضه و أشجار الزيتون التي زرعها بيديه. لا نرى مشهدا لحقول البرتقال ولا لعيون الماء المتدفق؛ لكنه يتحمل مسؤولية المجازفة بمشهد بالغ الحساسية كهذا مستندًا بالتأكيد على أكتاف كل من حاتم علي وطاهر مامللي، المسؤولية التي تفرض عليه وضع تعريف للنكبة، نكبة “المجتمع” التي تُعطي للـ”أرض” قيمة أوسع إذا استوعبناها.

ولأن الوطن ليس مجرد ممتلكات شخصية لا نصل ذروة المشهد إلا لندرك “حجم” النكبة الحقيقي بالنسبة لوليد سيف. في اللحظة التي انفجرت فيها القذيفة التي فرّقت بين خضرة و إبنها رشدي كان التاريخ يحزم حقائبه والأنظمة كلها تنهار فاسحة المجال للمجهول ليستلم دفة القيادة. نعم هذه بداية الشتات والانفصال الكلي، المادي والمعنوي، عن كل شيء تقريبًا (بلوت تويست ثقيل الظل) يعبر عنه حاتم علي بصريًا عبر تثبيت كاميراته وترك القنبلة لتنفجر بين خضرة (إلى اليمين) و رشدي (إلى اليسار). لم يدرك الفلسطينيون وقتها حجم الكارثة ولكنهم سيطلقون عليها لقب “نكبة” فيما بعد وهو لقب يعبر حقيقةً عن هول ما حدث لحظة إنفجار القذيفة المدفعية تلك.

ولعل هذا المشهد هو عصب المسلسل كما كانت النكبة عصب الحكاية الفلسطينية طيلة الوقت. فقبله استغرق وليد سيف وقتًا طويلًا في استعراض المجتمع الفلسطيني قبل النكبة بل إنه ذهب بعيدًا لاستعراض جوانب هذا المجتمع قبل حتى قيام ثورة الريف الفلسطيني عام 36، وهو على حد علمي العمل البصري الوحيد الذي تجرأ على ذلك.

بالطبع لا ينسى حاتم على التقاط التفاصيل، مفتاح البيت، ذهب النساء الذي نسوه في بيوتهم، والقرية التي تأكلها النيران والدخول في الحالة النفسية لسكانها عندما أشار عبر إحدى الشخصيات لمذبحة دير ياسين.

في دقيقتين ونصف يتغير فيهما مستقبل الفلسطينيين للأبد وبدلًا من خوض الحياة بظروف متوقعة صار عليهم الغرق في مساحات من المجاهيل الكثيرة وعلامات الاستفاهم الكبيرة. يضفي عليها Taher Mamulli طاهر مامللي لمسة خاصة عندما يلعب الثيمة الموسيقية الرئيسية للمسلسل مغناة بهمهمات نسائية، وهي المرة الأولى التي نسمعها بهذه الصيغة منذ بداية المسلسل ولكنها ستتكرر، بالطبع، لاحقًا، كما تكررت المأساة الفلسطينية مرات و مرات.

من أجل هذه اللحظة بالذات، التي لم نعشها بأنفسنا ولكننا ذقنا مرارتها عبر أجيال وسنين لاحقة ودفعنا ثمنها ولازلنا؛ علينا دومًا أن لا ننسى، تماما كما لم ينس رشدي، الذي يُختتم المسلسل بمشهد حمله لبندقية والده الشهيد.

الكاتب: eslamsq

كاتب فلسطيني/ مصري يعيش في القاهرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.