مدن وأفلام: القدس في السينما

نُشر في مجلّة الدوحة، عدد 123

لعبت “المدينة” محوراً هاماً في تاريخ السينما بشكل عام، إما موقعاً لتطور الأحداث أو حتى واحدة من شخصيات الفيلم. أثّرت على شكل السينما كما أثرت السينما في بعض الأحيان على شكل المدن كما في أفلام الفرنسي فرانسوا تروفو أو الايطالي روبرتو روسيليني وغيرهم من المخرجين الأوروبيين الذين أخذوا على عاتقهم الانتقال من مرحلة الكلاسيكية الأمريكية إلى السينما الواقعية في أوروبا والتي أتاحت لهم التصوير من الشوارع وبين معالم المدن الأوروبية المختلفة.

جذبت المُدن المخرجيين السينمائيين منذ عشرينيات القرن الماضي حين بدأت العواصم الكبرى بالتوسّع فيما كانت برلين تعاني شوارعها من هزيمة لا تُنسى بعد الحرب العالمية الأولى تسببت بحركة سينمائية تعبيرية كان واحداً من أبرز أفلامها متروبوليس Metropolis  عام 1927 الفيلم الصامت الذي يُعدُّ واحدًا من أولى التصورات السينمائية عن مدن المستقبل.

إذا كانت المدن والعواصم العالمية من نيويورك و روما حتى طهران وطوكيو قد استحوذت على مساحتها الخاصة في السينما العالمية ضمن ظروف متباينة فستبقى مدينة القدس الوحيدة التي تحظى بخصوصية فريدة كونها المدينة التي لم تهدأ يومًا منذ وضع الاستعمار يده عليها وحوّلها من مدينة سلام إلى مدينة حرب واقتتال. وإن حاربت روما الفاشية في الأربعينيات وانتصرت عليها فإن القدس لا تزال حتى اليوم تقاوم إحتلالًا يطال كلّ حجر فيها.

القدس المسيحية: بادرة الاهتمام

من أحد محلّات التحف والبضائع القديمة في شارع عادي في مدينة باريس أُكتُشف في عام 2007 أوّل فيلم تم تصويره داخل مدينة القدس ويعود تاريخ انتاجه لعام 1896، كان اكتشافاً هاماً رغم تحكّم الصدفة فيه، تلك التي جعلت أيدي أحد موظفي شركة لوبستر الفرنسية تقع على 93 فيلماً للأخوين لوميير لم تُعرف قيمتهم قبل تلك اللحظة.

تجوّل أوجست ولويس لوميير في شوارع القدس موثقين علاقة تلك المدينة الشائكة مع الغرباء. حمل الفيلم الأول عنوان “فلسطين في عام 1896” وفيه تعمّد الشقيقان الفرنسيان إظهار كافة التعابير الدينية الواضحة في المدينة. المسيحي والمسلم واليهودي، يسيرون في الشوارع ذاتها ويؤدون صلواتهم ليس بعيداً عن بعضهم البعض، تناغم لم يكن يتنبأ بمستقبل أكثر ضراوة ولم يفهم ربما ماضٍ مليء بالتقلّبات.

كانت القدس ولازالت تستمد رومانسيتها من شعار فضفاض يصفها بأرض “السلام” وحين دخلها “سينماتوغراف” الأخوين لوميير كانت القدس تزداد مساحتها بوتيرة متسارعة نظرً لتزايد عدد سكّانها ليتجاوزوا أسوار البلدة القديمة.

ظهر بعض العرب في فيلمهم الوثائقي الثاني بعنوان “مغادرة القدس عبر السكّة الحديد” يرتدون البدلات الرسمية وعلى رؤوسهم “الطربوش” الأحمر وهو الزي الأكثر انتشاراً في تلك الفترة من الحكم العثماني للمنطقة والتي توافق أيضاً مرور ستّ سنوات على بدء الحركة الصهيونية عملها في فلسطين.

شكّلت فلسطين عامل جذب واستقطاب كبيرين بالنسبة لصانعي الأفلام في مطلع العشرينيات أيضاً رغم أنه لم يكن اهتماماً متعلّقاً بالفلسطينيين بأي شكل من الأشكال بل أتى خدمة للجمهور المسيحي الغربي الذي يتوق لرؤية المدينة المقدسة وتتبع أثر المسيح كما ذُكر في كتاب “السينما الفلسطينية: الطبيعة، الصدمة والذاكرة” للباحث السينمائي الفلسطيني جورج خليفي.

كان الفلسطيني في القدس مجرّد من ذاتيته داخل تلك اللقطات التي اهتمت بتصوير معمار المدينة ومعالمها المسيحية ظهر بعضها في وثائقي “قصّة أرض فلسطين”. انطلاقاً من ذلك بدت السينما كياناً منفصلاً عن الفلسطينيين؛ تقنية غربية يستخدمها الروّاد الأجانب لحاجتهم ويغادرون، وهو ما أخّر ظهور سينما فلسطينية إلى منتصف الثلاثينيات.  

أي أنّه وفي الوقت الذي بدأ فيه الفلسطينيون بالتعرف على السينما كتقنية جديدة كانت صورهم في القدس تُعرض بالفعل في أفلام تم إنتاجها داخل فلسطين لكن دون أن يُسمع فيها صوت فلسطيني واحد، إذ بقي الفلسطينيون مجرد خلفية للحدث الرئيس بالنسبة لتلك الأفلام وهو المستوطنات اليهودية التي كانت مخالب مشروعها الثقافي قد بدأت بخدش جدران المدينة بالفعل.

879c74c54ae5ec9fa40ef1223050f80b

الاحتلال السينمائي للقدس

لم يجد المخرج والشّاعر الإيطاليّ الشّهير، بيير باولو بازوليني، ضالته عندما جاء إلى فلسطين من أجل رؤية القدس عام 1963. على خطى المسيح كان شهيد السينما الإيطالية المغدور – يحاول بكل إمعان التدقيق في جماليات فلسطين بحثاً عن مكان مناسب لتصوير فيلمه “الإنجيل بحسب القديس متّى” مستغلاً عراقة القدس كمدينة متخمة بالآثار والأماكن المقدسة المسيحية.

عاد بازوليني لإيطاليا من أجل تصوير فيلمه بعد فشله في الحصول على أماكن مناسبة لذلك في فلسطين، ولكنه عاد بمشاهد رآها تصلح لفيلم يُغري زبائن من نوع خاص في أوروبا أسماه “اصطياد مواقع التّصوير في فلسطين”. كانت المسيحية مرّة أُخرى هي محور اهتمام المخرجين الأوروبيين بالمدينة المقدسة قبل احتلالها عام 1967.

لوحظ تاريخيًا انكباب المخرجين الأمريكيين والأوروبيين على تصوير الأفلام التي تتعلق بالمسيح والحروب الصليبية في أيّ مكان سوى فلسطين، ولربما كان هذا ما دفع المسؤولين الإسرائيليين في الثمانينيات إلى بدء حملات “التبشير السينمائي” لجميع شركات الانتاج العالمية بإصدار وعود الإعفاء الضريبي والحماية الأمنية الكاملة عبر حملة تسويق عالمية تقارب ميزانيتها أربعة عشر مليون دولار لجذب منتجي الأفلام الدوليين إلى المدينة المقدّسة.

إنهم بذلك لا يستميلون صناعة تُعتبر اليوم من الأهم والأضخم في العالم فحسب ولكنهم ينون تسويق المدينة (عبر احتكار صورتها) إنتاجياً كأحد ممتلكات الدولة الاسرائيلية. جرت العادة أن تكون “القدس السينمائية” موزعة بين المغرب ومالطا واليونان، وهو ما لاحظه أحد المخرجين الاسرائيليين ورئيس مؤسسة القدس لتمويل الأفلام، يورام هونيغ.

قد يرجع السبب في ذلك إلى عدم استقرار المدينة، ففي النهاية لا يهم ما يُروّج إعلامياً عن المدينة الأكثر إضطراباً في العالم أو حتى ما يُعلنه الرئيس الأمريكي “ترامب” من مكتبه في واشنطن، كل ما يهم شركات الانتاج حقاً هو: هل يملك الاسرائيليون السيطرة على القدس أمنياً فتصبح بذلك ملاذاً للمنتجين دون قلق؟ إن الإجابة بكل حسم هي: لا.

ولذلك لم تنجح الإدارة الاستثمارية الاسرائيلية سوى في جذب عدد قليل من  الممثلين العالميين في أفلام آكشن/إثارة شهيرة مثل “رامبو 3″ Rambo III  و”قوّات الدلتا” The Delta Force في ثمانينيات القرن الماضي، ورغم ذلك فقد أدرك الإسرائيليون أزمتهم بعد مرور عشرة أعوام على بدء الألفية الجديدة حين اكتشفوا أنه ومن بين أكثر من 600 فيلم اسرائيلي أنتج منذ نشأة دولة الاحتلال عام 1948، فإن 30 فيلماً فقط صُوّر داخل القدس.

لذلك بدأوا بتوسعة عروض الإنتاج لتشمل تقديم الخدمات اللوجستية والتأمينات الصحية والحراسات الأمنية للطواقم التي تختار تصوير فيلمها داخل دولة الاحتلال عموماً والقدس على وجه الخصوص. عُقدت الاتفاقيات الداخلية وسُنّت التشريعات القانونية اللازمة عام 2008 لترفع نسبة تمثيل القدس في السينما العالمية إلى 400% في غضون سنوات، كما يقول نير بركات رئيس بلدية القدس المحتلة، من أجل عدم تكرار رؤية أفلام أمريكية تتحدث عن القدس دون أن تزورها وهو ما يبدو أمراً هاماً على درجة كبيرة بالنسبة للاسرائيليين.

يحمل تاريخ هوليوود مع هذا النوع من الأفلام قوائم طويلة مثل فيلم World War Z بطولة النجم الأمريكي الشهير براد بيت الذي تجري بعض أحداثه داخل مدينة القدس إلا أن التصوير الحقيقي للأحداث كان في مالطا تماما كما فعل الأمريكي ستيفن سبيلبرغ مع فيلمه “ميونخ” Munich عام 2005.

أما فيلم “روبن هود أمير اللصوص”  Robin Hood: Prince of Thieves فإنه يُفتتح بهروب “كيفين كوستنر” من سجن داخل مدينة القدس مع ذلك فإن الفيلم صُوّر في فرنسا وإنجلترا بالكامل. كما صوّر الممثل والمخرج الأمريكي “ميل غيبسون” فيلمه “آلام المسيح” The Passion of the Christ في إيطاليا مقتفيًا أثر بازوليني.

أما الإنجليزي تيري جونز فقد صوّر فيلمه الشهير بعنوان “حياة براين” Life of Brian في تونس كاملاً ويحكي الفيلم قصة كوهين براين الشاب اليهودي الذي يصادف يوم ومكان ميلاده مولد السيّد المسيح، يتلو هذا التقارب وقوع الناس في حيرة عندما تغمر هويّة المسيح بعض الالتباسات والغموض.

لذلك ربما يتخذ مهرجان القدس الدولي للأفلام Jerusalem Film Festival رمزية أبعد من مجرّد احتفالية ومهرجان لتكريم السينما والمشتغلين فيها. عندما نتحدث عن أهم حدث سينمائي تُقيمه دولة الاحتلال سنوياً ويحضره نجوم من مختلف أنحاء العالم وعروض تتراوح بين 150 إلى 200 خلال عشرة أيّام فإننا إذ نكون بكل بساطة قد اختصرنا الكثير فيما يتعلّق بالسيطرة المعنوية للثقافة الاسرائيلية على القدس.

حاول العرب على طول الخط أن يبتكروا طرقاً لإعلان تضامنهم مع القدس واعترافهم بها عربية فلسطينية من ناحية سينمائية فأطلقوا، متأخّرين، مهرجانات سينمائية باسم القدس في كل من عُمان والقاهرة، فيما خصص مهرجان الإسكندرية في دورته الأخيرة عروضًا وندوات للتأكيد على عروبة القدس، ولكنها تبقى في مجملها محاولات تفتقر فعلاً للرؤية الواضحة و المركزية الثقافية والقاعدة التمويلية المناسبة.

“أورشليم من ذهب.. ومن نحاس ومن نور”

ظهر عام 1934 أول فيلم صهيوني في التاريخ بعنوان “هذه هي الأرض” لمخرجه باروخ أغاداتي رائد السينما الإسرائيلية. فيلم أعادت مؤسسة سبيلبرغ ترميمه مؤخراً ويظهر فيه العديد من المستوطنات الإسرائيلية قيد الانشاء في فلسطين آنذاك كما تظهر القدس من حين لآخر، يغنون أغاني العودة، يبنون مملكتهم ببهجة وهدوء، مع صور قادة الحركة الصهيونية وخطاباتهم المبكرة.

“منذ خمسين عامًا، جاء الروّاد الأوائل إلى فلسطين ليطالبوا بعرقهم ودمهم بالأرض الجرداء التي تستوطنها الملاريا. الصعوبات الجسيمة كانت كثيرة ولكن ارادتهم الحديدية لم تُقهر. تضحياتهم جعلت الصحراء تزدهر مجددًا. يسير الآن على خطاهم آلاف الرجال والنساء الشجعان، يمهّدون لإقامة وطن قومي لليهود، منارة من نور لشعب مُضطّهد ومساهمة عظيمة في التقدم الاجتماعي للجنس البشري” – مقدمة فيلم هذه هي الأرض.

يهوذا ليمان، المخرج الوثائقي الصهيوني، كان يعد فيلمه الوثائقي الأول آنذاك عن مدينة القدس تحديداً بعنوان “أرض الميعاد” عام 1935. في الفيلم الذي يمتد شريطه لساعة تلفزيونية تظهر فيه الرومانسية الصهيونية التاريخية حول القدس: كبار السن الذين آثروا الهجرة والموت في الأرض المقدسة، الأطفال الذين يحملون على عاتقهم مستقبل الأمة، والمدينة التي تحافظ على ذكريات اليهود كما حافظت على حجارتها المقدسة وشوارعها العتيقة. قدّم فيه لما أسماه “فلسطين الجديدة اليهودية” و”القدس الجديدة التي بدأت بالامتداد خارج حدودها القديمة”.

إلا أنّ الحضور المقدسي في المشهد السينمائي الإسرائيلي بدأ بالازدياد خلال السنوات العشر الأخيرة وهو أمر طبيعي مع وجود سينما اسرائيلية هي الأكثر تمثيلاً في الأوسكار من بين دول “الشرق الأوسط” إضافة إلى سيطرة احتلالية حقيقية غير مسبوقة على الأرض.

في الفيلم الوثائقي الصادر خلال عام 2017 “في قبضة يدنا: معركة القدس” In Our Hands: The Battle for Jerusalem من إخراج الاسرائيلية إيرين زيمرمان والذي تم تصويره على طريقة الميلودراما الوثائقية كاملاً في القدس وفلسطين المحتلة يجد المشاهد نفسه أمام اللحظة التي احتل فيها الجيش الإسرائيلي المدينة عام 1967.

تلك اللحظة التي سيخلدها التاريخ إلى الأبد على أنها العودة الأخيرة بالنسبة لليهود، الذين يشتاقون لقدسهم في الأرض وفي السماء، بينما تكون خروجاً ليس أقل من أن يطلق عليه “نكسة” بالنسبة للفلسطينيين الذين بدأوا بالتكوّم في القسم الشرقي من المدينة.

الاعتماد على إعادة تجسيد واسترجاع ذكريات تلك المعركة كان مادة للعديد من الأفلام مثل فيلم “أصوات مُراقبة” Censored Voices وفيلم “ستّة أيام من حزيران” Six Days in June. في الأفلام الثلاثة، يرفع المحتلون العلم الاسرائيلي على أسوار القدس معلنين “القدس لنا للأبد”، في إعلان يبدو أنه سبق بالدم ما أراد ترامب ترسيخه عبر الفضائيات.

يمكن النظر أيضاً إلى الأمثلة العالمية من فنانين يهود ولدوا في إسرائيل ووجدوا في هوليوود طريقهم نحو تعزيز يهودية القدس مثل ناتالي بورتمان في فيلمها الروائي الأول كمخرجة “قصة عن الحب والظلام” A Tale of Love and Darkness الصادر عام 2015 والمقتبس عن مذكرات الروائي الإسرائيلي الأكثر شهرة هناك عاموس عوز، الذي قرر مشاهدة معارك حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران عن قرب في فترة زمنية تلي تلك المعروضة عنه في الفيلم.

يشكل الفيلم المُصوّر بالكامل في القدس والأراضي المحتلة الحالة التي انتابت اليهود في فلسطين المحتلة عندما أُعلن قرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين والفرحة التي اجتاحت صدورهم، في مشاهد مليئة بحسب بعض المتابعين العرب بالاستفزاز لما فيه من تزييف للحقائق المتعلقة بأن قيام اسرائيل واحتلال القدس لم يكن معركة استقلال بل كان معركة احتلال وتطهير عرقي.

شهدت بعض الأعمال الاسرائيلية نقدًا ناعمًا لبعض التصرفات التي رافقت احتلال القدس ولكنها لم تتعرض لعملية الاحتلال ذاتها، فمثلًا كان للمخرج الاسرائيلي المعروف بمعارضته للنهج المؤسساتي في أفلامه الأولى عاموس غيتاي قد أخرج الفيلم الوثائقي “بيت” Home عام 1980 وفيه يسرد قصة بيت عربي في القدس أصبح يمتلكه يهودي ويقوم بالعمل على ترميمه عمال بناء عرب. تبنى غيتاي مقولة سياسية في فيلمه هذا كانت السبب في منعه من العرض حيث يقدم إدانة واضحة لنهب الممتلكات العربية في القدس في أعقاب نكبة 1948.

هوليوود الزرقاء

قد يكون حضور الملامح الصهيونية في سينما “ستيفن سبيلبرغ” هو الأبرز عند الحديث عن الأفلام الهوليوودية التي “دسّت السم في العسل” كما يعبّر عنها الكثير من العرب، مثل اشاراته الواضحة للقدس كمدينة مقدسة لليهود دونًا عن غيرهم في أفلام “قائمة شندلر” Schindler’s List، عام 1993، و “ميونخ” Munich، عام 2005، و “لينكون” Lincoln عام 2012، حيث لا ينتهي أي من هذه الأفلام إلا بمشهد ختامي يحمل رمزية ما حول القدس وقد كثُر الحديث عنها وباتت معروفة، ولكن افلامًا أخرى كانت أيضًا قد اتخذت النهج ذاته.

في فيلم World War Z لمخرجه مارك فورستر والمقتبس عن رواية للكاتب الشاب ماكس بروكس ابن الممثل اليهودي الشهير ميل بروكس، نجد جيري لين موظّف الأمم المتحدة (يؤدي دوره الأمريكي براد بيت) في سعي دؤوب لإنقاذ العالم من شرّ أحد الأوبئة التي تغزوه وتسبب تحوّل البشر إلى موتى أحياء (زومبي).

يُرسل إلى كوريا الجنوبية ومن هناك يقرر السفر إلى الأراضي المحتلة بعد عرف بأن جهاز الموساد الإسرائيلي هو الأكثر استعدادًا للوباء. بحسب موقع “تايمز أوف إسرائيل” الإخباري، فهذا العمل “أهم قطعة بروباغاندا سينمائية لإسرائيل منذ فيلم Exodus لأوتو بريمينغر”.

Film-Speedy-Zombies_Lest.jpg

عدا عن استبسال الجنود الاسرائيليون في الفيلم في قتال الزومبي دفاعًا عن العرب والإسرائيليين على حدّ سواء فإن رئيس الموساد يلتقي بجيري فقط ليلقي عليه محاضرة تاريخية عن طريقة “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها وهو ما يُبرر للمشاهد سياساتها العدوانية، خصوصًا بعد إن يتحوّل أكبر رموز العنجهية المتمثل بجدار الفصل الضخم والممتد على أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى أحد أهم أسباب الحماية من الزومبي.

تتحوّل إسرائيل إلى أكثر الأماكن أمناً في العالم ويعيش فيها العرب جنبًا إلى جنب مع اليهود وكلاهما يحميه جنود الاحتلال، لكن و عند الحديث عن دور هوليوود في عكس صورة معيّنة عن القدس فإننا لا يمكن أن نتغاضى عن الصورة التي تراها هوليوود مناسبة عن العرب في أفلامها أيضاً كونهما أمران لا ينفصلان البتة.

في فيلم “الخروج” 1960 Exodus الذي يرصد قيام دولة إسرائيل وأهمية مدينة القدس وهو من بطولة النجم الأمريكي  الوسيم بول نيومان، يقوم الفلسطينيون بقتل صبي يهودي لا يتجاوز عمره 15 سنة بلا سبب. ربح الفيلم جائزة أوسكار وجلب لإسرائيل التعاطف وانهالت التبرعات، الأمر الذي فاجأ بن غوريون وأقنعه بتأثير السينما وأهميتها، وفي فيلم Cast A giant Shadow يكرر العرب جريمتهم السينمائية الساذجة بقتل سيدة اسرائيلية كانوا قد أسروها داخل إحدى العربات ثم بدأوا بالغمز واللمز حتى انتهوا منها.

تعددت صور التناول الهوليوودي لمدينة القدس رغم انحيازها الواضح غالبية الوقت لكفة لا يكون فيها العربي الفلسطيني ذو قيمة أكثر من غيره، لكن ظهرت في المقابل بعض الأعمال التي حازت على رضا الجمهور العربي عموماً وكان تناولها لمدينة القدس تاريخياً دون أن تحمل أيديولوجيا معينة مثل فيلم “مملكة السماء” Kingdom of Heaven من إخراج ريدلي سكوت عام 2005.

في نهاية الفيلم الشهير يقف “باليان” بعد تفاوضه مع “صلاح الدين” وبعد معركة دموية من أجل “القدس” استمات فيها “باليان” ومن معه في الدفاع، واستبسل “صلاح الدين” وجنوده في الهجوم، وبعد مفاوضات تسليم المدينة، والاتفاق على شروط تسليمها- يلقي صلاح الدين السلام عليه، ثم يبدأ بالعودة لجيشه. يستوقفه “باليان” ويسأله: “ما قيمة القدس بالنسبة لكم؟” فيجيب صلاح الدين “لا شيء” وبعد أن يمشي بضع خطوات أخرى، يلتفت ليقول “بل كل شيء!”.

يذكرنا هذا الفيلم تحديدًا بالعمل الملحمي الأضخم في تاريخ الإنتاج السينمائي المصرية، فيلم “الناصر صلاح الدين”، 1963، إخراج يوسف شاهين، الذي ينتهى بمشهد خروج ملك إنجلترا “ريتشارد قلب الأسد” من القدس (التي أُصطلح على تسميتها بأورشليم داخل الفيلم رغم أن العرب أطلقوا عليها تاريخيًا اسم بيت المقدس)، حيث يظهر في اللقطة الأخيرة “صلاح الدين” رافعًا يديه إلى السماء شاكرًا الله على تحقيق النصر واستعادة المسلمين لمدينتهم المقدسة.

“البيت لنا والقدس لنا”

حملت القدس بالنسبة للجماهير العربية رمزية كبيرة، حضرت في أغانيهم وأناشيدهم و كانت جزءًا من اعتقادهم الديني، يحج إليها المسيحيون ويعتبرها المسلمون ثالث أقدس مكان في العالم بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمةً لدولة الاحتلال اعترضت مجاميع كبيرة من العرب والمسلمين، صوت ربما لن يُسمع وحراك لن يستمر أكثر من أيّام وتنديد لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكنه يُثبِت أمرًا واحدًا فقط؛ أنّ القدس لا تزال صاحبة حضور قوي لدى العرب.

يبدو من المشروع التساؤل عن دور السينما العربية في تسليط الضوء على قضايا هذه المدينة ومكانتها ولكنه سيكون من الصعب إصدار الأحكام على السينمائيين العرب بتقاعسهم عن العمل في إطار دعم صمود المدينة المقدسة خصوصًا وأنّ أيّ منهم لا يملك القدرة على دخولها ولا حتى يحلم بذلك.

عندما زارت فيروز القدس كانت أغنية “زهرة المدائن” على بعد ثلاث سنوات فقط لأن تتحوّل إلى ضربة فنيّة قويّة شكّلت وعي الجمهور العربي حيال مدينة القدس لأجيال وأجيال، بينما قيل في فترة ما أن هذه الأغنية تحديدًا جاءت للرد على المغناة الصهيونية “قدس الذهب” بعد نكسة حزيران. لكن هل استطاع أيّ فيلم سينمائي أن يؤدي نفس الدور عربيًا؟

عند الحديث بعمومية عن السينما العربية التي تناولت القضية الفلسطينية فسنجد أننا أمام عدد كبير من الأفلام، التي لم تقدّم في مجملها مضموناً جادًا ويستحق التوقف عنده سوى عدد ضئيل منها مثل الفيلم الجزائري “نهلة” لفاروق بلوفا عام 1977 والفيلم التونسي “السنونو لا يموت في القدس” لرضا الباهي عام 1994 والفيلم المصري “باب الشمس” ليسري نصر الله عن رواية الياس خوري عام 2004.

كانت هذه الأفلام التي تجاوزت ما وقع فيه بقية الأعمال الأخرى من تنميط وتسطيح وجهل بالقضية الفلسطينية وأولويات الصراع مع المحتل الصهيوني. بدءًا من أفلام “فتاة من فلسطين” و “أرض الأبطال” و وصولًا ليومنا هذا.

20001056811512650513

في المقابل فإن القدس التي صورتها الأفلام التسجيلية والروائية الفلسطينية كانت أوسع وأدق في ملامستها لمعاناة المقدسيين، وهو ما يضع السينما العربية في موقف يفرض عليها الخوض أكثر في ما تتعرض له القدس والمقدسيين ومعاناتهم اليومية في ظل ظرف دولي يتجاهل أدنى صور الوجود والحضور العربي الشعبي.

“بدأ حضور القدس فى السينما الفلسطينية، مع نكستها الفاجعة العام 1967. ومن هنا سيبدو فيلم “القدس”، الذي حققه الفنان التشكيلي فلاديمير تماري، عام 1968، أول محاولة سينمائية تواكب ولادة زمن سينما الثورة الفلسطينية” كما جاء في دراسة للباحث الإعلامي الفلسطيني بسام حمد بعنوان “القدس في السينما العربية من البداية حتى الثورات العربية”.

والذي أشاد فيه بافلام الأخوين خليفي “ذاكرة خصبة” و “القدس تحت الحصار” على التوالي، فالأول حققه المخرج ميشيل خليفي عام 1980، والذي تم تصويره كاملاً في الأرض الفلسطينية المحتلة، خصوصاً في مدن الناصرة ورام الله ونابلس والقدس.

والثاني للمخرج جورج خليفي، عام 1990، يعكس فيه صورة عن واقع مدينة القدس المهددة بالمستوطنات الصهيونية، “ومحاولات المستوطنين احتلال بيوت الفلسطينيين في البلدة القديمة فينقل الفيلم شهادات فلسطينيين مقدسيين، ورجال دين مسيحيين ومسلمين، إضافة إلى تصريحات مستوطنين صهاينة”.

يرى الكاتب المصري نائل الطوخي أن حرب عام  1967 كانت محورًا هامًا في علاقة الفلسطينيين والعرب مع القدس، الذين اختاروا تبني وجهة النظر الأيديولوجية للمدينة من اجل حمايتها تمامًا كما فعل الإسرائيليون منذ اليوم الأوّل لهم على أرض فلسطين. بدلًا من المخيّم والشهداء كان الوعي الجمعي العربي يختار صورة للمسجد الأقصى، يغني له، ويرسمه.

تحوّلت المجازات من أشجار البرتقال والحمضيات والزيتون، حنظلة وسجّل أنا عربي، مفاتيح البيوت المهجورة، إلى صورة كبيرة لرجل فلسطيني عجوز يجرّ (إلى برّ الأمان) مركبًا يُحمل عليها مسجد قبّة الصخرة المطليّة بالذهب، كانت البوصلة أكثر وضوحًا منذ ذلك الحين، ولكن يبدو أن السينما العربية لا تزال رافضة استيعابها بعد.

4460.jpg

الكاتب: eslamsq

كاتب فلسطيني/ مصري يعيش في القاهرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.