حياة أمام أم كلثوم

إن تسليمنا بفكرة الانصياع لصوت أم كلثوم وارتباطه بمتى “ينضج” المرء أصبح من البديهيات. تكره أم كلثوم في صغرك، فتكبر قليلاً لتلتقط أُذناك صوتها عبر صدفة تلقي بك في دوامة سماع لا تنتهي، فتحبّها، وتصبح عبارة عن ثقب كوني للاستماع: لا تمل من تكرار مقطع واحد مائة مرة في اليوم. ظهرت أم كلثوم بصوتها الباعث للأمل في مواقف مختلفة من حياتي، وكأنها نافذة تنفتح فجأة ليدلف منها فراشة أو أكثر. كأنها مشهد أخير من فيلم لوودي آلن. بل كأنها رسالة حب من مجهول في زمن التعارف المكشوف. لماذا كان العنوان حياة (أمام) أم كلثوم وليس (مع) أم كلثوم، حسناً لن أحاول فذلكة الأمر لكن الحقيقة هي أننا لا يمكننا في أيّ حال من الأحوال أن نكون (مع) أم كلثوم، بل فقط أمامها، فنحن لا نشاركها صنع اللحظة بل هي وحدها القادرة على خلق اللحظة ومدّها نحو اللانهاية في أبديّة من الاستسلام المطلق لصوتها ومشاعرها، فتنطق الآه لتنشر سحراً لا يبدده هواء ولا يحصره زمان ولا يقارعه أي حضور آخر. تجري تلك اللحظة نحو المستقبل فيلهث الجميع خلفها ويسقط على الطريق من يسقط، لتصل إلينا في الحاضر حيث سنسقط بعد قليل راكضين ورائها، مادين أيدينا نحوها، في رحلتها نحو صرح الخلود المنشود. وعندما نقول أنها “قادرة” فهذا يعني أنها لا تحتاج مساعدة أحد، كل ما علينا فعله هو أن نرتدي ملابس رسمية، ليس تكّلفًا بل تشريفًا، ونحجز مقعدًا في مكان ملائم للرؤية يضمن وقوفاً مفاجئاً دون إحداث أضرار بأحد الجالسين، وأن نتلقّى هذه الروعة في “نغاشيش” رؤوسنا كما يتحرّك الشاي صاعداً نحو الرأس ضالاً طريقه نحو المعدة. لكن يجب التنويه ان ما يلي ليس عن أم كلثوم بقدر ما هو عن أمور الحياة في ظلال أم كلثوم.

وكل شئ في الدنيا دي وافق هواه انا حبيته

هناك قوة عظيمة تتجاوز أي قدرة لنا على مقاومة الشعور بالانجذاب والتعلّق ثم الاستسلام الذي يصبو إلى مصارحة مع النفس ووقوف على أطلال التخفي وراء الانكار أو الهروب من تلبية نداء قد حان وقته. في الحقيقة أن أحداً قد استطاع الهروب من براثن الحب الذي يذيب معه القلب ويجعل من ذاته مهجة للتغني. ننسى أنفسنا، وقد نمحو كل ما يشكّل ذاتنا لنسموا مع الصوت الطاغي علينا والذي لا يوجد أي طريقة توصّل إليها بشري قادرة على إسكاته. ثم كيف (كيف؟) نهرب من هذا المُنادي دون أن نفقد قطعة منا على الطريق، دون أن يسقط شيء من روحنا فنلتفت إلى الوراء كي نجده قد اختفى. ثمة ما يُلح على الهرب، لكننا نعلم أنه الهروب الأخير من أنفسنا حيث لا نرجع لنكون نحنُ.. نحن.

نستحلف القلب بأن يكون شوكة فينقلب وردة، وإذا ما فعلنا العكس ردّ بالعكس. إن أشجاننا نبنيها بأنفسها، بل ننقاد إليها وكأن دروباً من الآلام قد رُصفت لنعبرها مرغمين برفقة كثرة من السالكين. يا حنيننا إلى أنفسنا، إلى تماهينا مع المُحب وذوباننا فيه وكأن ما يعجبه كان أصلاً يعجبنا، بل كأن كل ما يرغب هو، نرغبه نحن، فيصبح ما نكره هو ما نحب، وما نحب هو الذي نكره، بكل سلبية وروعة هذه الرحلة الطويلة من الانسجام بل التلاشي في جيوب الآخر.. المُبهر.. الجميل.. شاغلُ البال.. أنت.

تفيد بإيه يا ندم.. وتعمل إيه يا عتاب

كان موقفاً غريباً عندما غادرت المنزل في يوم ماطر نحو وجهة مجهولة، كل ما أردته هو “الخروج” من المكان والوجدان في لحظة غريبة كانت هي خلاصة لحظات كانت قد تكررت بصورة قاسية خلال فترات تناوبت فيها الدنيا على مرمغة كل أحلامي بالتراب بشكل يدعو للنزول من البيت والخروج إلى اللامكان، كما فعلت في ذلك اليوم. عندما أنظر إلى أحداث مررتُ بها في حياتي، وغالبها كان مأساوي بشكل من الأشكال، فأنا لا أتمنى العودة إلى الوراء ومحاولة تغيير شيء مما حدث، معتبراً أن تغيير أمر واحدٍ منها سوف ينعكس بتغيير موقعي الحالي من كل شيء، ولربما كان نحو الأسوأ، هذا ما لا أدعوه خوفاً من المجهول، لأن الواقع ما ينفك يذكّر بأنني أهوى الإلقاء بنفسي نحو المجهول، وهو أمر ممتع أحيانًا لكن يبقى له ضريبة باهظة في أحيان أخرى. إن رغبتي بالابقاء على كل شيء كما حدث تماماً أصبحت، بطريقة ما، قادرٌ على توظيفها في حياتي اليومية. أن أنقل هذا الشعور “التاريخي” إلى اللحظة الراهنة، فيصبح فقدانك لعملك هو فرصة للخروج مع رفاقك لمشاهدة فيلم في السينما، فأنت بعد سنتين من الآن قد تقف لتقول (لا أرغب بتغيير الماضي)، بينما يصبح رفضك في مقابلة عمل هو مدعاة لشراء كيلو من الكنافة والتهامه في قهوة شعبية مع حفنة من العاطلين عن العمل. يصل وعينا بأنفسنا هنا لارتباط ملازم لوعينا بالمحيط والعالم والحياة ككل. رغم أنني من دعاة عدم طرح الأسئلة الوجودية إلا أننا وإن تحدثنا بالنفس الجمعي فإننا قد نجد سؤالاً قد غاب رغم كونه أهم بكثير من “لماذا أفرح؟” وهو سؤال: متى أكتئب؟

إن الحزن الشديد موجود، والانسان الذي لا يحزن لا يمكن تخيّل العيش معه أكثر من ثلاثة أيّام، لكن يبقى من المهم أن نلتقط تلك اللحظة التي سيكون فيها اكتئابنا مبررًا وله ظروفه ووقته ومساحته، ونعلم أن كل مصيبة لا بد وأن تمر، وأن مأساة اليوم هي ذكرى الغد، وهذا أمر لا علاقة له بالزمن، كونه “بينسّي حزن وفرح ياما”، لكنه متعلّقٌ أكثر بزهدٍ فيما سيأتي ونسيانٍ لما قد مضى.

اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا عمر ضايع يحسبوه ازاي عليّا

يا فتاة، لا أتخيل نفسي عندما أقابلك إلا واضعًا يداي في جيبي. لإن جيب البنطال، كما يقول ساراماغو، هو ملاذ الخجولين واسمحي لي بأن أُضيف الهاتف المحمول أيضاً. “ليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ”.

الكاتب: eslamsq

كاتب فلسطيني/ مصري يعيش في القاهرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.