تجربة مؤسسة “شاشات” مع مخرجات من قطاع غزّة

إسلام السّقا

Shashat video training for young women in Gazaبدأ عدد من النساء الفلسطينيات المقيمات داخل قطاع غزّة بتقديم وجباتهم السينمائيّة القصيرة إلى العالم عبر عدسة مؤسسة شاشات لسينما المرأة في عام 2010، شكّل هذا النشاط، لاحقاً، نواة لجيل من المخرجات الفلسطينيات الشابات، يعبّرن من خلال أعمالهن الفنية عن طبيعة حياتهن داخل قطاع غزة، ويحملن لمسة من السينما الحقيقية، التي تسمح لنا بالتنبؤ بمرحلة سينمائية فلسطينية مختلفة خلال الأعوام القادمة، والتي قد يقودها، هذه المرة، نساء من غزة. ثمان مخرجات بدأن رحلة إحترافهن لفن الإخراج السينمائي وقدّمن أعمالاً تحمل الكثير من الرسائل التي كان يجب أن تصلنا من داخل القطاع الذي يعاني جموداً في الحراك السينمائي، كونه المساحة التي تخفي بين غبار منازلها المهدمة قصصاً تستحق أن تُروى وتُعرض من جانب مُميز لم نعتد عليه. يتمثل هذا الجانب في تحوّل المرأة في غزّة من “ضحيّة”، كما يحب المجتمع الترويج لها، إلى حالة من الصراخ التي لا يمكن التغاضي عنها.

فتيات البحر

Reham Ghazaliتظهر العلاقة بين النساء والبحر في عدد من أفلام الموجة الاولى لمخرجات شاشات. حيث بدا واضحاً وجود هذا المزيج والعلاقة المباشرة بين فتيات غزة وبحرها. شاركت رهام الغزالي، 24 عام، وهي إحدى المنتسبات لمشروع شاشات، بفيلم قصير مدته 6 دقائق، بعنوان “مادلين 2011”. يتناول الفيلم حياة فتاة قررت أن تعمل كصيّادة للسمك في بحر غزّة، هذه أوّل فتاة نراها تمارس هذه المهنة. يبدو من الصعب تناول هذا الموضوع من ناحية إخراجية وكتجربة أولى، إلا أن رهام استطاعت أن تجعل 6 دقائق كافية كي توثّق حياة مادلين، فتاة البحر التي تعترف بأنها تعيش بجسدين، فهي أنثى على الشاطئ وفتى داخل البحر. تحدّ كبير قامت به رهام من خلال أمرين، الأول هو القدرة على نقل قصّة هذه الفتاة ضمن الإطار المجتمعي الصعب في تعامله مع المراة والكاميرا، والثاني من خلال تصوير أغلب مشاهد الفيلم داخل البحر.

 

أمّا المخرجة رنا مطر، 24 عام، فقد عرضت ببساطة سردية قصّة فنانة غزية شابة اسمها رشا أبوزايد وذلك في فيلم “لوحة 2011″، وهي رسّامة تهتم بوضع المرأة داخل إطارها الخاص وبألوانها، بينما ترتبط، كفنانة تشكيلية، بالعمارة الأثرية الجميلة. تُظهر مُخرجة العمل أن الطرق الوحيدة لرشا كي تجد ذاتها هي إما عبر الريشة، أو عبر البحر. هذا البحر الذي تفتتح من خلال نسيمه المخرجتان آثار الجديلي وألاء الدسوقي فيلمهما المشترك “فلفل وسردين 2011”. فهذا الفيلم الذي لم يصل لدقيقته السادسة، كان بمثابة عرض متشابك والتقاطة فريدة لعلاقة الغزّي بسمك السردين وبالفلفل الحار. فكلاهما علامتان تميزان الطعام في غزة، فكيف وجدت آثار وألاء هذا التشابك واستطاعتا توظيفه في فيلم قصير، بدا في بعض اللحظات سريعاً، لكنه امتلك من الروح ما يؤهل لتصنيفه كعمل جيد.

يُعرف عن البحر انه المكان الذي يلجأ إليه المرء هرباً من صعوبات الحياة، إلا أن الأمر ليس كذلك في غزة، فالبحر هناك هو “الملاذ غير الآمن”. هذا ما حاولت المخرجة رنا مطر أن تعكسه في فيلمها “شكلو حلو..بس..” والذي أتى بترتيب الثالث ضمن أعمالها مع شاشات، وصدر عام 2013. فجمالية البحر وأهميته لم تمنعها من كشف الطريقة التي حوّل روّاد البحر ملاذهم الأخير إلى شريك في الحصار. تتوضح لنا براعة المخرجة الشابة من خلال إحكام السيناريو الصغير، وطريقة توجيه المُشاهد للقضية المنوي تناولها في وقت قياسي لا يتجاوز 6 دقائق. فالبحر كان جميلاً، وواسعاً يوماً ما، أما الآن فهو مُغلق من الإحتلال، بينما تنتشر فيه المياه الملوثة والتي تحيله إلى جحيم لا يمكن دخوله.

Filmmakers on stage MLS

نسويّات

تبدو السمة العامة لأفلام مؤسسة شاشات هي التركيز على حقوق المرأة ودورها في المجتمع. حيث أوضحت د علياء أرصغلي في شهادتها على ولادة “شاشات” أن عدم المساواة بين الجنسين هو قضية متأصلة في المنظور الثقافي التقليدي عن المرأة، وهذا ما دفع نحو هذا التوجه، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمؤسسة تهتم تحديداً بإخراج جيل من المُخرجات الفلسطينيات الشابات. فالأفلام بنتاجها المتباين تناولت بين ثناياها قصصاً لنساء عملن في المجال السياسي، الاجتماعي، الرياضي والفني وغيره. عدا عن القضايا الهامة التي تبرز هموم المرأة الفلسطينية في قطاع غزة.

تناولت المخرجة الشابة فاطمة أبو عودة دَور المرأة الغزيّة في تنسيق فعاليات إنهاء الانقسام، والتي عُرفت بحراك الخامس عشر من آذار، ذلك عبر فيلمها “دوت كوم 2011″، وهو وثائقي مدته 7 دقائق نشهد من خلاله المراحل المختلفة لتنظيم الفعاليات الكبيرة التي شكّلت حدثاً تاريخياً في عمر الحراك الشبابي الفلسطيني. في إحدى مشاهد الفيلم تظهر أُم وهي تتحدث مع بناتها وتخبرهم بمدى فخرها بقرارهم النزول للشارع في ذلك اليوم. بينما يبدو العمل الثاني لرهام غزالي نتيجة لعملها الأول بامتياز، بل وانه يحوم حول نفس المنطق والذي أثبتت الغزالي براعتها فيه. ففي فيلم “خارج الإطار 2012″، مدته 11 دقيقة، تتناول رهام قصّة كل من إباء وريهاف، وهما فتاتان غزّيتان كانتا تحلمان بالعيش بمجتمع يساهمن ببناءه، ولكنهما صُدمتا بأنهما قد أصبحن خارج الإطار. وهو الفيلم الذي ظهر فيه تناغم كبير بين القصة والسرد والتوليف. وثائقي صغير عن علاقة ريهاف بكاميرا التصوير الشخصية، وعلاقة إباء بالمجتمع ودورها السياسي فيه. الكثير من الطاقة الإيجابية تخرج من هذا الفيلم، وكأن حالة التهميش التي نلاحظها من على لسان الفتيات ما هي إلا دافع مستمر للمرأة في غزة كي تبحث عن ذاتها. رغم توغل الفيلم بشيء من الخصوصية مع الفتيات، إلا أنه عملٌ مهم ضمن الإطار والتوجه العام لمؤسسة شاشات في العام الأول والثاني.

Out of Frameقدّمت المخرجة إيناس عايش فيلمان يبدوان متشابهان من حيث الإسم، فيلمها الأول “خطوة ونص 2011” عرضت من خلاله تجربة فتاة من مدينة غزة، تخرج لأوّل مرة وحدها باتجاه مدينة خانيونس لزيارة صديقتها. تجربة عاديّة ولا يميزها شيء، إلا بالنسبة لفتاة تعيش في غزة. بدت الفتاة متحمسة عند حديثها عن أمور بسيطة، كزيارتها لسوق الأربعاء وقلعة برقوق في المدينة. أما فيلمها الثاني فحمل عنوان “أقدام صغيرة 2012″، يجعلنا نتسائل عن علاقة “عايش” بالخطوات والأقدام. رغم أن أقدام صغيرة تناول حكاية مختلفة هذه المرة حيث تحدثت عن رجل يعاني من كونه قزم لكنه وجد طريقه في الحياة أخيراً. أظهرت المخرجة براعة في تناول كل من الفيلم الوثائقي والتسجيلي. حيث تجاوزت في عملها الثاني الفخ الذي قد يقع فيه الكثير من المخرجين الشباب، بالخلط بين التقرير الصحافي والفيلم الوثائقي.

قضايا وهواجس

تتباين الاعمال المقدمة بطريقة ملفتة. ففي عام 2011 أخرجت كل من إسلام عليان وأريج أبو عيد فيلماً بعنوان “كمكمة”، وهو عمل فريد من ناحية الموضوع. يتناول الطرق المختلفة “للكمكمة” داخل مجتمع غزة الذي يبدو مصرّاً على إخفاء وكتم وإحاطة كلّ شيء. وعلى النقيض من الكمكمة، يظهر فيلم “ضجة 2012” للمخرجة ألاء الدسوقي، وهو فيلم مدته 7 دقائق يعرض الصوت الوحيد المسموع في غزّة، وهو صوت الضوضاء. تنوّعت الضجة بين صوت الاسعافات والقصف والباعة المتجولون ومولدات الكهرباء “فأصبحت الضوضاء مولود شرعي لضغوطات الحياة”. هذه الضغوطات، تشكّل أزمة الكهرباء جزءاً كبيراً منها، وهنا يأتي فيلم المخرجة آثار الجديلي، 25 عام، بعنوان “قطعت 2012”. ويتحدث الفيلم القصير عن جانبان مختلفان وزاويتان متعاكستان، فهنا أُم تحاول تدبير عيشها بلا كهرباء، بينما يصارحنا الموظف المسؤول عن قطع الكهرباء عن هواجسه حول القيام بهذا العمل الخطير والمرفوض اجتماعياً. فيلم يُعتبر من أقوى أعمال “شاشات”، ويوضح النضج الفني عبر التقدم الزمني والتدريب الذي توفره المؤسسة.

يصل هذا النضج لقمّته في العمل الأخير لرهام الغزالي بعنوان “آن جي كوز 2013″، مدته 6 دقائق، تناولت قصّة شاب تخرّج من الجامعة ليبحث عن عمل فتكوّنت علاقة غريبة بينه وبين شهاداته الجامعيّة التي انتهى أمرها إلى سلة المهملات. يمتلئ الفيلم بمشاهد رمزية، فهنا حمزة، بطل الفيلم، يتخلص من أوراقه الجامعية بينما يلحق به فتى صغير يبدو أنه بائع متجول، ويصرّ الفتى على أن يشتري حمزة منه. إسقاط كهذا كفيل بشرح فكرة الفيلم الرئيسية، وهي المشكلة التي يعيشها الخريج بعدم حصوله على وظيفة، بينما يلاحقه المجتمع إما بالمطالبة بإيجاد عمل أو بمجرد السؤال الغير بريئ إطلاقاً والذي تعرضه المخرجة في مشهد يعبّر عن روح الكوميديا السوداء للفيلم، والذي ساهم في إظهارها المزج الموسيقي البارع، والتي تصل لذروتها عندما يدخل البطل إلى قهوة شعبية، فيلتفت إليه الجميع مرة واحدة موجهين له تساؤل بصوت واحد “لقيت شغل؟”.

NG Kooz

تقدم المخرجة أريج أبو عيد بالتعاون مع المخرجة ألاء الدسوقي عملاً مميزاً هذه المرة على طريقة الرسوم المتحركة “منشر غسيلو 2013”. استطاعتا من خلاله إبراز الرؤية الفنية القوية لتقديم قضية التحرش اللفظي بصورة عابرة للحدود دمجت من خلاله بين كاميرا الاخراج ووحدة تصميم الرسوم المتحركة لينتج عملاً قوياً من ناحية فنية بحت. بينما ركّزت “أبو عيد” في فيلمها “إنفصال 2012” على قصّة اجتماعية تحدث كل يوم لكن أحداً امتلك الجراة لعرضها، ما الذي يحدث للمراة بعد الطلاق؟ هذه القضايا البارزة يتربع على عرشها فيلم رنا مطر بعنوان “أبيض وأسود 2012” وهو فيلم من 9 دقائق يبحث في ذاكرة النساء اللواتي شكلّت الرياضة لهن أسلوباً للحياة، واستطاع بعضهم تمثيل فلسطين في أكثر من محفل، لكن لم يبقى من ذلك المجد اليوم إلا صوراً وشخصيات هي الآن ترثي الحالة الرياضية النسوية في قطاع غزة.

الكاتب: eslamsq

كاتب فلسطيني/ مصري يعيش في القاهرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.