تلفزيون: قراءة في تحولات شبكات الترفيه الأمريكية

نُشر على الجزيرة الوثائقية

 إسلام السقا

يفتح خبر إلغاء مسلسل Hannibal الباب أمام قراءة جديدة لعالم التلفاز اليوم. “هانيبال” (وهو مسلسل أميركي يحكي بطريقة جديدة قصّة آكل لحوم البشر هانيبال ليكتر الشهيرة) ليس هو أفضل مسلسلات شبكة NBC لكنه الأكثر تداولاً بين صفحات الأخبار هذا الاسبوع كونه يشكّل الشعرة التي قسمت ظهر البعير. يلاحظ متابعو التلفاز خلال السنتين الاخيرتين إلغاء عدد ضخم من المسلسلات، إما بعد بدءها بفترة وجيزة أو بعد ثلاث مواسم منها مثلاً. بعض تلك المسلسلات كان يلقى نجاحاً عند جمهور معيّن، والذي قد يضمن له الاستمرارية فعلاً. النقاشات التي تدور مع أبطال مسلسل هانيبال، والاشاعات التي ترد بأن المسلسل ستشتري حقوقه شبكة “نتفلكس” الترفيهية، يبدو أنها لن تصل إلى شيء. المسلسل سينتهي عند موسمه الثالث ونتفلكس لن تُخاطر بشراءه، كما أنه لا يناسب هويتها الحالية.

بات واضحاً أن التلفاز ينتمي لمنهج الثقافة باعتبارها صناعة. وهذا يدل عليه المراقبة الدائمة من المدراء لخط انتاج البرامج وسلطتهم على المخرجين والكتّاب من أجل صنع برامج تجلب النفع المادي. وهذا يولد مشاكل بين الادارة والأعضاء المبدعين. اذا توجد للفريق الثاني مصلحة في عرض قوته الثقافية وانتاج نصوص وبرامج مختلفة عما هو مألوف. وبالمقابل، فإن المدراء يكونون ذوي اهتمام ومعرفة محدودين بالعوامل الجمالية للمنتجات التي يشرفون عليها، ويركّزون على ديموغرافية الجمهور. ومعنى وجود هذا الجمهور هو الرغبة للقائمين على الدعاية بتوزيع الاعلانات على البرامج التي تجلب زبائن أكثر.

رغم انتصار الكثيرون للتقدم المعياري للتلفاز على السينما كونه أكثر تنظيماً، إلا أن شركات انتاج البرامج التلفزيونية تنافست لانتاج أشكال من الابداع تتسم عادة بالحذر. وساعد على هذا وجود تفهم من قبل المدراء للميول المتغيرة للجمهور العام المكون من طبقات اجتماعية متباينة. مثلاً، انتدب المدراء التنفيذيون لشبكة NBC مسلسل Hill Street Blues في بداية الثمانينات بسبب شعورهم بتغير الذوق العام باتجاه عروض بوليسية أكثر جرأة وواقعية. بينما يعود السبب في ظهور جريء لشخصية مثلية كبطل في مسلسل Will and Grace إلى سعي المدراء لدفع NBC للتودد لجمهور محدد كان في هذه الحالة مجموعة ثرية من المثليين وأصدقاءهم المحترفين الشباب في هذه المدينة. إلا أن هذا نوع جبان من الابداع، يعتمد على شخصية غير اعتيادية في كوميديا معيارية.

من الخطأ الاعتبار انه لابد لشركات الانتاج ان تقوم بصنع أعمال معيارية. حيث سجلت HBO ضربات اقتصادية متنوعة ناجحة ضد منافسيها من خلال مسلسل The Sopranos و city & the sex، حيث لابد ان هذين العملين كانا مرفوضين من وجهة نظر ادارات الانتاج في المحطات الأخرى. وتظل HBO حتى هذه اللحظة هي الاستثناء وليست الوضع الطبيعي في إنتاج التلفاز الأميركي. حقبة HBO الأولى بدأت في العام 1999، وانتهت تقريبا بحلول العام 2007، حيث البداية الحقيقية للقناة والتغير في المحتوى وبدء تقديم محتوى درامي قوي أصبح هو الافضل على الاطلاق بعد مرحلة Six Feet Under وThe Wire. أما الحقبة الثانية للقناة، بعد جلوس “نسبي” بين 2008 حتى 2010 اكتفت فيه القناة بتقديم عروض عادية، كان التحضير يجري على قدم وساق لاثنين من أقوى المسلسلات الحديثة على الاطلاق: Boardwalk Empire وGame of Thrones ففي 2007 اخذت القناة حقوق الرواية الشهيرة لكاتبها (جورج ر. ر. مارتن)، ورافق ذلك التجهيز لحلقة “بايلوت” كبيرة للغاية من مسلسل Boardwalk Empire والتي خُصص لها 50 مليون دولار، رغم أن تنفيذها كلّف أقل من ذلك. المبدأ، هو أنَّ القناة كانت قد قررت أنّها ستنهي سياسة معينة بنهاية The Sopranos و The Wire وستبدأ مرحلة جديدة يريدونها مختلفة وكبيرة وتأخذهم للعالمية الجماهيرية أكثر من مجرد العالمية الجوائزية، وهذا ما حدث حقاً، فالقناة أصبحت الواجهة الأهم في عالم الترفيه التلفزيوني، ساعدها على ذلك صنعها طريقاً خاصاً بها من خلال عرض مسلسلات على غرار The Newsroom وTrue Blood وهي مسلسلات كانت مختلفة بطرحها، وبالجمهور الذي تستهدفه، وبطبيعة كتابتها المعقدة رغم ما يظهر منها من بساطة على الشاشة. كان هذا تطوراً لم نعهده مسبقاً من القناة قبل أن يقرر المدراء إنهاء هذه المسلسلات مبكراً، مع الحفاظ على خط العرض الترفيهي من خلال المسلسل الأقوى حاليـاً من ناحية الجماهيرية، صراع العروش، والذي لم ينتهي بعد لذا هو من سيقوم بعملية الربط مع الجيل القادم من المسلسلات للقناة.

الجيل القادم

تخفي لنا شبكة “إتش بي أو” عدداً من المسلسلات المتنوعة والمختلفة، بدأت فعلاً بعرض الموسم الثاني من True Detective قبل اسبوعين، بينما يقوم الأخ الاصغر للمخرج المثير للجدل (كرستوفر نولان) وهو كاتب سيناريو بارع (جونثان نولان) بتقديم مسلسل بعنوان Westworld عبر الشبكة. يرافق ذلك عدد من المسلسلات المُرافقة مثل The Brink، Ballers والذين بدأ عرضهما بالفعل. الجديد والمُنتظر هو مسلسل مارتن سكورسيزي وتيري وينتر وكذلك Utopia ديفيد فينشر. هذه الاسماء السينمائية الكبيرة تبشر بأن الحقبة القادمة مختلفة للغاية عما سبق. كل هذه المقومات تنبئ بأننا امام جيل جديد من عالم الترفيه الذي تقدمه HBO، مسلسلات ستحمل في طياتها نسبة كبيرة من الجماهيرية ولن تكتفي بالمحتوى الدرامي والفني كما كانت مسبقاً. ولعل تحوّل عدد من رموز السينما نحو التلفاز يُعد مؤشراً جديداً على اشتعال الحرب مجدداً بينا السينما والتلفزيون في خلافهم الدائم على الجمهور. تلك الحرب التي بدأت في أربعينيات القرن الماضي والتي كانت سبباً في انتهاء عصر الاستديوهات الأوّل في هوليوود.

هنا نلاحظ التوجه للجماهيرية، وتدخل مدراء الانتاج من جديد في تحديد هوية المنتج الذي يتم عرضه. الآن نحن نعيش هذه المرحلة وسنشهد تطبيقها خلال السنوات القادمة. الاستراتيجية التي تعمل بها HBO يبدو أنها تهدف بشكل واضح لأن تبقى محافظةً على مكانها في المركز الأول دائماً، ظهور Netflix في آخر بضعة أعوام لن نرى تأثيره المُباشر في فترة قريبة، فمع البداية القوية لـNetflix رأينا HBO مازالت تقدم مستوً ممتاز، لك تبقى “نتفلكس” متفوقة في جوانب مختلفة، خصوصاً في امتلاكها واحداً من أقوى المسلسلات الحالية House of Cards. أما قنوات أخرى مثل Showtime فهي تسعى لتقديم المحتوى المختلف والمميز مثل مسلسلها Homeland ولكنها غير قادرة على أن تقدم ترفيهاً عالي المستوى على غرار ما تقوم به HBO، وهذا ما تعيه جيداً شبكة AMC، والتي رغم البداية القوية للغاية من Mad Men وBreaking Bad إلا أنها لا تدل الآن على امتلاكها رؤية فنية قادرة على حمايتها.

 tv-series

الكاتب: eslamsq

كاتب فلسطيني/ مصري يعيش في القاهرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.